أحمد بن يحيى العمري

46

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

حين وفاته . وكان - رحمه الله - فيلسوفا كاملا ، وإماما فاضلا ، بحرا منه يغرف ، وحبرا له يعرف ، قد أتقن العلوم الرياضية ، زكي النفس ، قويّ الذكاء ، متجنّبا عن الدنيا ، مقتنعا منها بما يقوم به أوده « 1 » ، ويسير سيرة الفلاسفة المتقدّمين ، وكان له قوة في صناعة الطب ، وعلم بالأمور الكلية منها ، ولم يباشر أعمالها ، ولا حاول جزئياتها . قال ابن أبي أصيبعة : " وحدّثني سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي الآمدي « 2 » - رحمه الله تعالى - : أن الفارابي كان في أول أمره ناطورا في بستان بدمشق ، وهو على ذلك دائم الاشتغال بالحكمة والنظر فيها ، والتطلع إلى آراء المتقدمين وشرح معانيها ، وكان ضعيف الحال ، حتى إنه كان في الليل يسهر بالمطالعة والتصنيف ، ويستضيء بالقنديل الذي للحارس ، وبقي كذلك مدة . ثم إنه عظم شأنه ، وظهر فضله ، واشتهرت تصانيفه ، وكثرت تلاميذه ، وصار أوحد زمانه ، وعلّامة وقته . واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن

--> ( 1 ) : أي : بما يقيم صلبه ، ويحفظ قوته " القاموس مادة أيد " . ( 2 ) : أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد الحنبلي ثم الشافعي المتكلم ، العلّامة ، صاحب التصانيف العقلية . ولد بعد الخمسين وخمسمائة بآمد ، وقرأ القراءات والفقه ، ودرس على ابن المنّي ، وسمع من ابن شاتيل ، ثم تفقه للشافعي علي بن فضلان ، وبرع في الخلاف ، وتفنن في علم النظر ، والكلام ، والحكمة ، وكان ذكيا من أذكياء العالم ، أقرأ بمصر مدة فنسبوه إلى دين الأوائل ، ووضعوا خطوطهم بما يستباح به الدم ، فخرج مستخفيا إلى الشام ، فنزل حماة وصنف في الأصلين والحكمة والمنطق ، ثم اعتزل في بيته إلى وفاته سنة 631 من الهجرة . انظر ترجمته في : " وفيات الأعيان 3 / 293 ، وطبقات الشافعية الكبرى 8 / 30 ، وطبقات الأسنوي 1 / 137 ، والنجوم الزاهرة 6 / 285 ، وشذرات الذهب 7 / 253 .